| 0 التعليقات ]

الــــحـقـــــوق الـــمـــتــعـــلــقــة بــالـــتـــركـــة
يخرج من تركة الذي هلك ++حق تعلق ببعض ما ترك 
ثم مئونه فدين الذمة ++ ثم إيصاؤه والإرث في البقية
       إذا مات ابن آدم تعلق بما تركه من مال وحقوق مالية حقوق خمسة؛ هي مؤن التجهيز والحقوق العينية المتعلقة بعين التركة، والديون المرسلة، والوصية بالثلث فأقل لأجنبي، والإرث. وإليك بيانها على النحو التالي :
       أولا :  الحقوق المتعلقة بعين التركة
       الحقوق والديون المتعلقة بعين التركة؛ كالدين الموثق بعين مرهونة من مال الميت، وكثمن مبيع لم يستلمه البائع حتى مات المشتري، فهذه الحقوق مقدمة على مؤن التجهيز عند التزاحم في التركة، كما سبق بيانه.
       قال محمد البرهاني – رحمه الله - :
يبدأ أولا بما تعلقا            بعين تركة كرهن وثقا
به وجان وزكاة تلفى         ثم بتجهيز يليق عرفا

ثانيا : مؤن التجهيز
·       مؤن التجهيز هي : كل ما يحتاجه الميت من حين موته إلى أن يوارى في قبره؛ من نفقات غسله، وأجرة كفنه، وحمله، وحفر قبره، ودفنه، بدون إسراف أو تقتير
·       وقد اختلف الأئمة في تقديم مؤن تجهيز الميت على الديون المتعلقة بعين تركته على قولين :
* القول الأول : للأئمة الثلاثة؛ أبي حنيفة، ومالك، والشافعي – رحمهم الله -؛ وهو أن الحقوق والديون العينية المتعلقة بيعن التركة مقدمة على مؤمن التجهيز.
-       واستدلوا : بأن هذه الحقوق والديون سابقة التعلق بعين تركة الإنسان قبل وفاته، بينما مؤن التجهيز طارئة على تركته بعد مماته، وكل ما كان سابقا فهو مقدم على الطارئ.
* والقول الثاني : للإمام أحمد بن حنبل – عليه رحمة الله – وهو أن مؤن التجهيز مقدمة على الديون والحقوق العينية المتعلقة بعين التركة.
-       واستدل بدليلين :
·       أحدهما؛ أن كفن الميت ولوازمه الخاصة بتجهيزه   من الأمور اللازمة له فتقدم على غيرها، قياسا على تقديم حقوق الإنسان الشخصية على حقوق الغرماء في الحياة إذا أفلس. فقد كفن النبي صلى الله عليه وسلم حمزة ومصعبا يوم أحد كلا منهما بثوب لم يوجد لهما غيره، ولم يسأل هل عليهما دين أم لا.
·       وثانيهما :  أن سترة الإنسان واجبة في حال الحياة فكذلك بعد الممات. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته راحلته وهو محرم : «كفنوه في ثوبيه» (متفق عليه)
·       إذا لم يخلف الميت تركة، فمؤن تجهيزه على من تلزمه نفقته في حال الحياة؛ كالابن لو مات ولم يكن له مال فمؤن تجهيزه على والده؛ لأن نفقته تلزمه، فإن لم يوجد له قريب تلزمه نفقته أو وجد ولكنه معسر لا مال له فمؤن تجهيزه من بيت مال المسلمين، وإلا فعلى من علم حاله من المسلمين؛ لأن تكفين الميت ودفنه من فروض الكفايات التي إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن المسلمين وإن لم يقم بها أحد أثموا جميعا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : (من ظن أن غيره لا يقوم به تعين عليه).
وقال الإمام النووي – رحمه الله - : (لو مات إنسان ولم يوجد ما يكفن به إلا ثوب مع مالك له، غير محتاج إليه، لزمه بذله بقيمته، كالطعام للمضطر).
* مسألة :
إذا ماتت الزوجة فهل يلزم زوجها مؤن تجهيزها أم لا ؟
اختلف الأئمة – رحمهم الله – في مؤن تجهيز الزوجة إذا ماتت هل تلزم زوجها أم لا :
·       فذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن مؤن تجهيز الزوجة تجب على زوجها مطلقا، سواء أكان الزوج معسرا أم موسرا، وسواء أكانت الزوجة غنية أم فقيرة ؛ لقوله تبارك وتعالى : ]وعاشروهن بالمعروف[ (النساء : 19)، وليس من العشرة بالمعروف أن يتخلى عنها بعد وفاتها، ويزهد في تكفينها. وقياسا على وجوب النفقة لها في الحياة، فتجب بعد الممات بل أولى ؛ لاشتداد الحاجة.
·       وذهب الإمامان؛ مالك وأحمد إلى أن الزوج لا يلزمه مؤن تجهيز امرأته، سواء أكان معسرا أم موسرا، وسواء أكانت الزوجة فقيرة أم غنية، بل يجب ذلك في مالها إن كان لها مال، فإن لم يكن فعلى من تلزمه نفقتها حال الحياة، فإن لم يكن فعلى بيت مال المسلمين، وإلا فعلى من علم حالها من المسلمين.
-       واستدلا : بأن مالها من الحقوق على الزوج قد انقطع بموتها، والنفقة والكسوة إنما وجبت حال الحياة للتمكين من الاستمتاع، ولهذا تسقط بالنشوز والطلاق البائن، وقد انقطع كل ذلك بالموت، فأشبهت الأجنبية.               
·       وذهب الإمام الشافعي – وهو الرأي الراجح عند الحنابلة – إلى أن مؤن تجهيز الزوجة تجب على الزوج إذا كان مؤسرا، فإن كان معسرا فلا تلزمه، وهي كغيرها من المسلمين.
-       واستدل بقول الله تعالى : ﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا   (الطلاق : 7)
فليس من العشرة الحسنة أن يترك الزوج زوجته بدون تجهيز بعد موتها؛ لأن العلاقة الزوجية باقية لم تنقطع بالموت، بدليل أنه يرثها وترثه، ويغسلها وتغسله، وليس من العدل أن تلزمه بذلك إذا كان معسرا.
* وهذا القول أولى بالصواب من غيره وأرجح، لأنه من مظاهر العشرة بين الزوجين بالمعروف؛ ولما فيه من العدل والتوسط، وعدم الإضرار بكلا الزوجين.
ثالثا : الديون المرسلة
·       الديون المرسلة : هي الديون التي لم تتعلق بعين التركة، وإنما تعلقت بالذمة، سواء أكان الدين لله تعالى، ككفارة وزكاة، مات الإنسان قبل أدائها، أم كان لآدمي، كسلف، وقرض، وأجرة، ونحو ذلك.
فتوفى ديون الميت المرسلة من تركته بعد تجهيزه، ووفاء الحقوق المتعلة بعين التركة.
* مـــســـألـــة :
إذا لم تف التركة بدين الله تعالى ودين الآدمي، فأيهما يقدم ؟
اختلف الأئمة الأربعة – رحمهم الله – في أيهما يقدم إذا ضاقت التركة عن وفاء الديون المرسلة؛ دين الله تعالى، أم دين الآدمي ؟
·       فذهب الحنفية والمالكية : إلى أن دين الأدمي يقدم على دين الله تعالى؛ لأن ديون العباد مبنية على المشاحة والمطالبة والحاجة، بينما دين الله تعالى مبني على المسامحة والعفو والتجاوز والاستغناء عنه.
ويقدم عند الحنفية دين الصحة على دين المرض؛ لأنه أقوى منه في الثبوت؛
ودين الصحة: هو ما كان ثابتا لصاحبه بالبينة، أو بالإقرار حال حياة الميت، أو ثبت بالإقرار به من الميت في حال مرضه، وكان سببه معلوما كثمن دار اشتراها، أو سيارة ابتاعها منه ولم يوفه قيمتها.
ودين المرض : هو ما ثبت بإقرار الميت في مرض موته؛ ومرض الموت : هو المرض الذي يتصل به الموت غالبا، وإن مات بسبب غيره، كمرض السرطان مثلا.
·       وذهب الشافعية – في القول الصحيح عندهم – إلى أن حقوق الله تعالى مقدمة على ديون العباد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : «اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء». (رواه البخاري وغيره)
·       وذهب الحنابلة إلى أن الغرماء يتحاصون في تركة الميت على قدر ديونهم، كما يتحاصون في مال المفلس حال الحياة، سواء أكانت الديون لله تعالى ككفارة لم يخرجها الميت حتى مات، أم كانت الديون لآدمي كقرض وأجرة ونحوها، أم كانت مختلفة ومختلطة.
* وهذا القول أولى من غيره؛ لأن فيه وفاء لكل صاحب حق، وما لا يدرك كله لا يترك جله، فإعطاء صاحب الحق جزء من حقه خير بلا ريب من تركه كله.

* مسألة :
اتفق العلماء على أن الدين مقدم على الوصية، بالنص والإجماع والمعقول؛
-       فأما النص : فهو قول علي بن أبي طالب – رضي الله عنه - : «إنكم تقرؤن هذه الآية :﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ۚ  (النساء : 11)، وإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ بالدين قبل الوصية». (رواه أحمد، والترمذي)
وقال – رضي الله عنه - : «الدين قبل الوصية، ولا وصية لوارث».
والقاعدة في الأصول : أن قول الصحابي فيما ليس للرأي فيه مجال له حكم الحديث المرفوع، وهو حجة.
-       وأما الإجماع : فقد انعقد إجماع أهل العلم على تقديم الدين على الوصية. قال الترمذي : (العمل على هذا عند أهل العلم).
·       وأما المعقول : فهو أن الوصية تبرع، والدين واجب، والواجب مقدم على التبرع فإن قيل : لم قدمت الوصية على الدين في القرآن، في قوله تعالى :﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ۚ  (النساء : 11)،
فالجواب على ذلك من وجوه :
·       الأول : أن هذا التقديم إنما هو من باب الاهتمام بها والعناية ؛ لأن الوصية قد يشق إخراجها على الورثة لكونها مأخوذة بلا عوض، وأما الدين فنفوسهم إليه مطمئنة.
·       الثاني : أن الدين له من يطالب به، بينما الوصية ليس لها من يطالب بها، فقد تضيع ويتركها الورثة، فقدمت على الدين حثا على وجوب المسارعة بها، وإخراجها.
·       الثالث : أن الدين حق للحي، والوصية حق للميت، فناسب أن يقدمها الله تعالى في الذكر على الدين من باب التذكير بها، لئلا تنسى.
رابعا : الوصية
       رابع الحقوق المتعلقة بعين التركة الوصية ؛ وهي في اللغة : العهد بالشيء ؛ تقول أوصى لفلان إذا عهد إليه بأمر، أو هي مأخوذة من وصيت الشيء إذا وصلته، فالموصي وصل بعض التصرف الجائز له في حياته ليستمر بعد موته.
·       واصطلاحا : تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع، سواء أكان في الأعيان، أم في المنافع.
والأصل في مشروعيتها : الكتاب، والسنة، والإجماع :
·       فالكتاب : قوله تعالى : ]كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين[ (البقرة : 180).
·       وأما السنة : فما روى سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم زاره في مرض اشتد به عام حجة الوداع، فقال : يا رسول الله ! إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي ؟ قال : «لا !»، قلت : فالشطر يا رسول اله ؟ فقال : «لا !»، قلت : فالثلث يا رسول الله ؟ قال : «الثلث، والثلث كثير – أو كبير – إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». (متفق عليه)
·       والإجماع منعقد على مشروعية الوصية لمن كان له مال، وأنها من القربات التي تنفع الإنسان بعد مماته.
فإذا مات الإنسان نفذت وصاياه بعد مؤن تجهيزه، وأداء الحقوق والديون التي للغير عليه، ويشترط في تنفيذ هذه الوصايا ما يلي :
-       الشرط الأول : أن تكون الوصية في حدود الثلث، لقوله صلى الله عليه وسلم لسعد : «الثلث، والثلث كثير»، ولقوله صلى الله عليه وسلم : « إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم، زيادة في أعمالكم». (رواه ابن ماجة عن أبي هريرة.  
-       الشرط الثاني : أن تكون الوصية لأجنبي عن الميت يعني لغير وارث ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « إن الله قد أعطى لكل حق حقه ، فلا وصية لوارث » رواه أحمد والترمذي وحسنه .
-       إلا إذا أجاز الورثة الوصية للوارث بعد موت مورثهم فإن الوصية له تنفذ ، لأن الحق لهم ، فإذا أجازوه صح ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « لا تجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة » رواه الدارقطني وسنده لابأس به ، وله شواهد .
-       الشرط الثالث : أن تكون الوصية مباحة شرعا غير محرمة ، ومثال الوصية المباحة : الوصية لذي رحم مسلم ، والوصية ببناء مسجد ، أو طبع كتب ...
-       ومثال الوصية المحرمة : الوصية لدور اللهو والخمر ونحوها .
خامسا : الإرث :
خامس الحقوق المتعلقة بتركة الميت : الإرث ، وتقسيمه على الورثة المستحقين شرعا ، على ما سيأتي تفصيله .
فإن كان للميت ورثة شرعيين ، أخذوا فروضهم ، فإن زاد شيئ وليس ثم عاصب ، رد الباقي على الورثة عدا الزوجين فلا يرد عليهما ، فإن لم يكن ثم وارث شرعي ، لا بالفرض لا بالتعصيب ، ووجد ذو رحم ورث ، فإن لم يوجد وارث شرعي ، ولا ذي رحم وقرابة للميت فإن المال يذهب لبيت مال المسلمين وينفق على المصالح العامة .
المصدر : الدكتور حسين مختاري
» تابع القراءة

| 0 التعليقات ]

مبادئ علم الفرائض

إِنَّ مَبادِئ كُلِّ ... فَنٍّ عَشَرَه ... الحَدُّ وَالموضُوعُ ثُمَّ الثَّمَرَه


وَنِسْبَةٌ وَفَضْلُهُ وَالوَاضِعْ ... وَالاِسْمُ الِاسْتِمْدَادُ حُكْمُ الشَّارِعْ
          
   يطلق على علم الفرائض عدد من المسميات ؛ فيقال : الفرائض، والمواريث، وفقه المواريث، وعلم الميراث. وهذه الألفاظ كلها يراد بها معنى واحد عند التجوز ؛ وهو علم الفرائض، لكن المعنى الدقيق لكل واحد منها يختلف عن الآخر، لذا يحسن أن نعرف بكل واحد منها :
·       الفرائض في اللغة : جمع فريضة، وتطلق الفريضة في اللغة على معان متعددة؛ منها : الحز، والقطع، والتقدير، والإنزال، والتبيين، والنصيب المقدر المفروض.
·       واصطلاحا : هو علم يعرف به من يرث ومن لا يرث، ومقدار ما لكل وارث.
وقيل : هو فقه المواريث وما ضم إليه من حسابها. وقيل : هو نصيب مقدر شرعا لوارث. والأول أصح ؛ لأنه ينص على الغاية المقصودة من علم الفرائض، وهذا هو المطلوب تعريفه هنا ؛ حيث نريد تعريف علم الفرائض.
·       والميراث في اللغة : هو البقاء، وانتقال الشيء من قوم لآخرين، ويطلق بمعنى : الموروث.
·       واصطلاحا : هو حق قابل للتجزيء، ثبت لمستحق بعد موت من كان له ذلك ؛ لقرابة بينهما، أو نحوها.
وبمعنى أشمل : ما تركه الميت بعد موته من أموال وحقوق، يستحقها بموته الوارث الشرعي.
·       وعلم الميراث : هو قواعد فقهية وحسابية، يعرف بها نصيب كل وارث من التركة.
·       وفقه المواريث : هو الأحكام الفقهية المتعلقة بالإرث، وكيفية قسمة التركة.
هذه أهم الإطلاقات التي تطلق على الفرائض.



أهمية علم الفرائض وفضله :
علم الفرائض من العلوم الشرعية المحمودة لذاتها، لما ينشأ عن المعرفة لهذا العلم وإتقانه من تحقيق العدل الذي شرعه الله عز وجل في تقسيم المواريث، وإيصال الحقوق لأهلها على الوجه المشروع. وعلم الفرائض نصف العلم؛ لأن العلم قسمان : قسم يتعلق بحياة الإنسان في هذه الدنيا، من عبادات ومعاملات وأنكحة، وهذا القسم مبسوط في أغلب الفقه. وقسم يتعلق بالإنسان بعد وفاته وهذا هو علم الفرائض.

ولقد اعتنى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ببيان أهمية وفضل هذا العلم، ورغب في غير ما حديث إلى العناية به؛ منها :
1-  قوله صلى الله عليه وسلم : «تعلموا الفرائض وعلموه؛ فإنه نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول شيء ينزع من أمتي». (رواه ابن ماجه، والدارقطني، والحاكم)
2-  وعن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «تعلموا القرآن وعلموه الناس، وتعلموا الفرائض وعلموه الناس؛ فإن امرؤ مقبوض، وأن العلم سيقبض، وتظهر الفتن، حتى يختلف الإثنان في الفريضة، فلا يجدان من يقضي بها». (رواه أحمد، والنسائي، والترمذي، والحاكم وصححه، واللفظ له، وصححه الذهبي في التلخيص)
3-  وعن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل : آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة». (رواه ابن ماجه، وأبو داود، والدارقطني)
قال الإمام الخطابي – رحمه الله عليه - : (وقوله : "أو فريضة عادلة" : يحتمل وجهين من التأويل : أحدهما : أن يكون العدل في القسمة ؛ فتكون معدلة على الأنصباء والسهام المذكورة في الكتاب والسنة. والوجه الآخر : أن تكون مستنبطة من الكتاب والسنة ومن معناهما ؛ فتكون الفريضة تعدل ما أخذ من الكتاب والسنة؛ إذ كانت في معنى ما أخذ عنهما نصا).
       فهذه الأدلة وغيرها تدل على فضل تعلم الفرائض ووجوب العناية بها، وهذا أمر بدت الحاجة الملحة الداعية إليه في هذه العصور المتأخرة ؛ حيث قل العالمون بالفرائض في أوساط طلبة العلم، وبدأت تتفشى في الناس العادات الجاهلية من جديد ؛ حيث وجد في بعض المجتمعات من يحرمون الأنثى من ميراثها الشرعي الذي أوجبه لها رب العالمين سبحانه، أو يجبرونها على التنازل عنه وتركه، ووجد فيهم كذلك من يقسم الميراث على هواه، فلا يعطى صاحب كل ذي حق حقه، أو يقصرون الإرث على أولاد الميت دون بقية الورثة.
       ولقد قسم الله تعالى الفرائض بنفسه في كتابه بين خلقه، وهو أدرى بالمصلحة، والحكمة، والنفع، ثم قال بعد أن فرغ من قسمتها :﴿  تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  ، وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ  )  (النساء : 13-14). فسمى الله تعالى المواريث التي شرعها في كتابه لخلفه حدودا؛ مما يشعر أنه لا يجوز تعديها ومجاوزتها، فمن تصرف في المواريث على غير الطريقة التي شرع الله سبحانه فورث غير وارث، أو حرم وارثا من ميراثه، أو ساوى بين الذكر والأنثى في الميراث ممن لم يسو الله بينهما فقد خالف حكم الله الذي أنزله، وهو بذلك كافر مخلد في نار جهنم والعياذ بالله تعالى، ما لم يتب إلى الله ويقلع عن فعله. بل إن مجرد البغض لشيء مما شرعه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، أو عدم ارتياح النفس له : ناقض من نواقض الإسلام، ولو عمل به
       روى ابن ماجه بسند حسن عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قطع ميراث وارثه، قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة».
       وروى البخاري تعليقا بصيغة الجزم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه – قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «تعلموا الفرائض قبل الظانين ؛ يعني : الذين يتكلمون بالظن».
       وهذا كله يحتم على طلاب العلم العناية بعلم الفرائض، ونشره بين الناس حتى يعودوا إلى هدي ربهم، ويبتعدوا عن عادات الجاهلية.
       موضوع علم الفرائض :
       موضوع علم الفرائض : هو قسمة التركة على الورثة على وفق ما شرعه الله تعالى في كتابه الكريم، ووضحه رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم في سنته. ومعرفة من يرث ومن لا يرث من أقرباء الميث، والطرق الحسابية التي يتوصل من خلالها إلى معرفة نصيب كل وارث.
       الثمرة من علم الفرائض :
       وصول فرض كل وارث إليه، والبعد عن الظلم والجور في قسمة التركات.
       الواضع لعلم الفرائض :
       الواضع لعلم الفرائض : هو الله سبحانه وتعالى، في كتابه الكريم؛ حيث تولى سبحانه قسمة المواريث بنفسه، فلم يكلها إلى ملك مقرب، ولا إلى نبي مرسل، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين أحكام الفرائض بسنته وقضى في بعض المسائل بسنته؛ كميراث الجدة، وهذا لا إشكال فيه ولا معارضة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم في الحقيقة ما هو إلا وحي يوحى من عند الله سبحانه وتعالى.
       استمداد علم الفرائض :
       تستمد أحكام علم الفرائض من الكتاب، والسنة، والاجتهاد المقيد في حدود نصوص الكتاب والسنة في المواريث وانعقد عليه الإجماع، وأما القياس والاجتهاد المطلق أو الذي لم ينعقد عليه الإجماع فلا دخل له في علم الفرائض.
v   فالكتاب : وردت فيه أربع آيات شملت أحكام المواريث كلها لمن تدبرها وفهم المراد منها؛ وهي :
·       وهذه الآية في ميراث الأولاد؛ ذكورا وإناثا، وإن نزلوا، وميراث الآباء؛ ذكورا وإناثا، وإن علوا.
-       الآية الثانية : قوله تعالى :  ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ۚ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ۚ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (النساء : 12).
·       وتضمنت هذه الآية ميراث الأزواج والزوجات، وميراث الإخوة لأم؛ ذكورا وإناثا.
-       الآية الثالثة : قول الحق سبحانه وتعالى : ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( (النساء : 176).
·       وهي في ميراث الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب.
-       الآية الرابعة : قول رب العالمين سبحانه : ﴿ ﴿  وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (الأحزاب : 6).
·       وهي نص في توريث ذوي الأرحام؛ ممن ليس بصاحب فرض، ولا عاصب؛ عند فقد الورثة بالفرض والتعصيب.
v   وأما السنة : فقد ورد فيها عدد من الأحاديث الشريفة التي تدل على بعض أحكام المواريث، تفصيلا لآية وتوضيحا لمعناها، أو بيانا لحكم سكت عنه القرآن؛ فمن ذلك :
1-  ما رواه عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر». (رواه البخاري، ومسلم)
·       ويدل هذا الحديث على الإرث بالتعصيب، ويستفاد منه أن العصبة يرثون على ترتيب معين سيأتي في باب التعصيب – إن شاء الله – بيانه.
2-  حديث أسامة بن زيد – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر». (رواه الجماعة إلا النسائي)
3-  حديث عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «لا يتوارث أهل ملتين شتى». (رواه أبو داود، وأحمد، وابن ماجه، وإسناده حسن).
·       ويستفاد من هذين الحديثين: أنه توارث مع اختلاف الدين بين الوارث والمورث.
4-  ما رواه عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - «أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى للجدتين من الميراث بالسدس بينهما». (رواه أحمد، والحاكم وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص)
·       وهو دليل على إرث الجدة، سواء أكانت واحدة أم أكثر تأخذ السدس.
5-  حديث عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال : «قضى النبي صلى الله عليه وسلم للابنة النصف، ولابنة الابن السدس ؛ تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت». (رواه الجماعة إلا مسلما والنسائي)
·       ويدل على ميراث بنت الابن مع وجود البنت، وأن الأخت تكون عصبة مع البنات، فتأخذ ما بقي بعد فرضهن.
6-  ما رواه المقدام بن معد يكرب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من ترك مالا فلورثته، وأنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرث، والخال وارث من لا وارث له يعقل عنه ويرثه». (رواه أبو داود، وأحمد، وابن ماجه، وأصله في الصحيحين)
·       وهو يفيد أن ذوي الأرحام يرثون عند عدم وجود الوارث الأصلي، وأن ما يتركه الميت من مال يكون من نصيب ورثته.
7-  حديث عائشة – رضي الله عنها – في الإرث بالولاء، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «الولاء لمن أعتق». (رواه البخاري ومسلم)
v   وأما الاجتهاد المقرون بالإجماع : فإن الاجتهاد يكون مصدرا من مصادر علم الفرائض إذا انعقد عليه الإجماع ؛ كالعمريتين، ونحوها من المسائل التي قضى فيها الصحابة واجتمعت كلمتهم عليها، ولم يعلم لهم في عصرهم مخالف.
وأما الاجتهاد المجرد، أو الذي لم يتأيد بالإجماع فإنه لا يعتبر حجة في الفرائض، ولا دخل له فيها.
ومما يجب أن يعلم : أن الاجتهاد السائغ في الفرائض هو ما كان في فهم النصوص وتوجيهها، أو تفسيرها، وأما الاجتهاد العام فلا دخل له في الفرائض، بمعنى : أنه لا مساغ لأحد أن يجتهد في إحداث فرض جديد، أو حرمان أحد من الورثة من حقه أو غير ذلك؛ لأن علم الفرائض توقيفي.

حكم تعلم علم الفرائض :
تعلم الفرائض من فروض الكفايات التي تجب على مجموع الأمة، بحيث إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإن تركوه جميعا أثموا.

مسائل علم الفرائض :
المسائل التي يهتم بها علم الفرائض : هي قضاياه، وفروعه المستخرجة من قواعده، والتي تبحث في كل باب من أبوابه، يحصل من إدراكها والعلم بها تقسيم التركة بين الورثة؛ ومعرفة الورثة، ككون النصف للبنت، والربع للزوجة، وكون الأب يحجب الأخ، وكون البنت تعصب الأخت.
أهم مصطلحات علم الفرائض :
هناك مصطلحات خاصة بعلم الفرائض؛ يحسن بطالب هذا العلم والراغب فيه أن يكون على علم بها، وتمييز بينها قبل الشروع في مسائله، ومن أهم هذه المصطلحات ما يلي :
1-  الفرض : وهو نصيب مقدر شرعا لوارث، لا يزيد إلا بالرد، ولا ينقص إلا بالعول.
2-  العاصب : من يرث بغير تقدير.
3-  الوارث : هو من يستحق نصيبا من التركة، سواء أخذه أم لم يأخذه.
4-  التركة : هي ما خلفه الميت من الأموال والحقوق الثابتة له شرعا. وهذا على رأي الجمهور. فيشمل هذا – عندهم – الأشياء المادية من المنقولات والعقارات، والحقوق العينية؛ وهي ما ليس بمال، ولكنه يقوم بالمال أو يتصل به، كحق المسيل، والشرب، والمرور، والعلو، ويشمل المنافع؛ كحق الانتفاع بالعين المؤجرة، والمستعارة، ويشمل الحقوق الشخصية التي تورث؛ كحق الشفعة، وحق الخيار في المبيع أو المشترى، كخيار الشرط.
وأما عند الحنفية : فإن التركة هي كل ما تركه الميت من أموال وحقوق مالية كان يملكها. فلا يشمل الحقوق الشخصية، ولا المنافع؛ لأنها ليست عند الحنفية أموالا.
5-  العول : هو الزيادة في مجموع عدد السهام عن أصل المسألة، مما ينتج عنه نقص في نصيب كل وارث فيها.
6-  الرد : هو نقص في مجموع عدد سهام الورثة عن أصل المسألة، ينتج عنه زيادة في نصيب من يرد عليه منهم.
7-  السهم : هوالجزء المعطى لكل وارث من أصل المسألة.
8-  الأصل : يطلق على الأباء، وإن علوا، فأصول الميت هم آباؤه وأمهاته، وأجداده وجداته.
9-  الفرع : يطلق على أبناء الميت، ون نزلوا، ففروع الميت : هم أبناؤه، وبناته، وأبناء أبنائه، وبنات أبنائه، ولا يشمل أولاد بناته؛ قال الفرزدق :
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا              بنوهن أبناء الرجال الأباعد
10-       الحواشي : يطلق على من تفرعوا من أصولك؛ كالإخوة وبنوهم، والأخوات، والأعمام وبنوهم، ولا يشمل الأخوال والخالات والعمات، وأبناء الأخوات؛ لأن هؤلاء جميعا من ذوي الأرحام.
11-       الجمع والعدد : يراد به في علم الفرائض ما زاد عن الواحد ؛ اثنين فأكثر.
12-       الإدلاء : هو الاتصال بالميت إما مباشرة؛ كالأب مع ابنه، أو بواسطة؛ كالأخ والأخت.
13-       النسب : هو البنوة والأبوة، والإدلاء بأحدهما؛ كالأخ والعم، عن طريق تغليب الأبوة على الأمومة.
14-       أصل المسألة : هو أقل عدد تستخرج منه سهام الورثة بدون كسر.
15-       المصح : هو ناتج مصح المسألة بعد تصحيح الانكسار الواقع بين رؤوس فريق من الورثة فيها وبين سهامهم منها.
16-       الكلالة : هو من ليس له ولد ولا والد.
الميراث في الجاهلية وصدر الإسلام :
كان العرب في الجاهلية يتوارثون بالنسب والسبب ؛ إذ كان التوارث معروفا في الأمم السابقة لهم، إلا أن هذا التوارث كان بعيدا عن العدل، خاليا من الرحمة، مجانبا للشفقة ؛ إذ كان يقوم على النعرات الجاهلية، والعصبية القبلية.
v   وأهم أسباب الإرث التي كان العرب يتوارثون بها في الجاهلية وعصر صدر الإسلام ما يلي :
1-  الإرث بالتبني؛ ومعناه: أن يدعي شخص أبوة من ليس بولده، فيتوارثون بهذا الادعاء، وكان التبني موجودا حتى عصر صدر الإسلام؛ فقد تبنى النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة رضي الله عنه.
2-  الإرث بالمعاهدة والتحالف ؛ فكان الرجل من القبيلة يتعاهد مع غيره من أبناء القبائل الأخرى ويتحالف معه على أن هدمَه هدمُه، ودمَه دمُه، ومالَه مالُه، ويرث كل منهم الآخر؛ وامتد هذا لى بداية الإسلام؛ قال الله تعالى:  ﴿  وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ۚ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (سورة النساء، الآية : 33).
والمعنى : والذين تحالفتم معهم بالأيمان المؤكدة فآتوهم نصيبهم من الميراث؛ وذلك أن الرجل كان يتحالف مع الآخر على أن أيهما مات ورثه الآخر، مقابل النصرة والتعاون والدفاع عن بعضهما.
3- الإرث بالموالاة؛ وهذا يكون في الغالب بين الأسياد والأرِّقاء، يرث المولى من سيده.
4-  التوارث بالهجرة؛ وهذا كان في صدر الإسلام، عندما آخى النبي صلى الله عليه سلم بين المهاجرين والأنصار – رضي الله عنهم-، إذ كان المهاجري يرث أخاه الأنصاري وبالعكس؛ قال الله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (الأنفال : 72) ؛ روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس – رضي الله عنه – قال : «كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذي رحمه بالأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم».
·       وأما التوارث بالنسب، فكان موجودا لكنه كان موسوما بالظلم الذي تئن منه الأسر والبيوتات؛ فقد كان الميراث في الجاهلية مبنيا على الرجولة والقوة والشجاعة؛ ينتقل للابن الأكبر الذي يجيد ركوب الخيل، والرماية وله حظ من الشجاعة، ويحرم منه الباقون من الأبناء الصغار، أو الذين ليس لهم مقدرة على ركوب الخيل وإجادة الرماية، ولا يحمون الذمار، ولا يحوزون الغنائم، ويحرم منه كذلك البنات، فلا يرثن إلا في النادر. فإن لم يكن في أبناء الميت ذكر شجاع يركب الخيل ويجيد الرماية انتقل الميراث مباشرة إلى أخيه أو إلى عمه.
روى البخاري عن ابن عباس – رضي الله عنه – قال : «كان المال لولد، وكانت الوصية للوالدين».
       وهذا في الحقيقة ظلم وإجحاف؛ إذ كيف يحرم الضعيف صغيرا كان أو امرأة من مال أبيه ويعطى كله للكبير القوي القادر على الكسب ؟ ! بل لقد كان هذا الفعل من العرب دليلا على الجهل العظيم الذي كانوا يعيشون فيه ؛ فإن الورثة الصغار، والنساء الضعاف أحق بالمال من القوي القادر على الكسب، لكنهم عكسوا الحكم، فأبطلوا الحكمة التي راعاها الشارع الحكيم، فضلوا بأهوائهم، وأخطأوا في آرائهم وفهمهم..
       * فلما جاء الإسلام وقويت شوكة المسلمين، وبدأ تشريع الأحكام، أبقى الإسلام الأحلاف التي كانت  قائمة، ومنع من التحالف الجديد ؛ فقد روى ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «كل حلف في الجاهلية؛ أو عقد أدركه الإسلام فلا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا عقد ولا حلف في الإسلام𪱇». (متفق عليه)
         وشرع الإسلام للميراث أسبابا أخرى مبنية على العدل والرحمة والحكمة ؛ وأبطل التوارث الذي كان قائما في الجاهلية، ونظم التوارث في الإسلام على نحو يحقق العدل والرحمة والمساواة للجميع.
·       فنسخ الإسلام التوارث بالتبني؛ في قوله تعالى : ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ، ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا(5)} (الأحزاب : 4-5).
·       ونسخ التوارث بالمعاهدة والهجرة والموالاة؛ بقوله تعالى : ﴿  وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ( (الأحزاب : 6).
·       ونظم الإسلام التوارث بالنسب على وجه يحقق العدل الذي شرعت من أجله المواريث، فأعطى النساء نصيبا من الإرث، ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا  (النساء : 7).
·       وورث الأبناء الصغار والبنات من تركة والدهم وأمهم ؛ ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۚ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ  (النساء : 11).
·       وجعل لذوي الأرحام نصيبا مما تركه قريبهم إذا عدم وارثه الشرعي؛ تحقيقا للترابط بين الأقرباء، وحرصا على صلة الرحم التي رغب الإسلام في الحفاظ عليها في كثير من نصوص القرآن والسنة ؛ ﴿  وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ( (الأحزاب : 6).
·       وجعل للأبوين نصيبا من الميراث، وجعل للزوجين نصيبا، وسوى بين الأبناء الذكور في الميراث، صغيرهم وكبيرهم، ضعيفهم وقويهم فيه سواء، إلا من قام به مانع من موانع الإرث الشرعية. وأعطى الذكر ضعف نصيب الأنثى ؛ لما يلزمه من التزامات عائلية كبيرة في جانب الأنثى.
قال ابن كثير – رحمه الله - : (كان أهل الجاهلية يجعلون جميع الميراث للذكور دون الإناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث، وفاوت بين الصنفين ؛ فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين؛ وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤنة النفقة والكلفة ومعاناة التجارة، والتكسب، وتحمل المشاق، فناسب أن يعطى ضعفي ما تأخذه الأنثى).
نعم ! جعل الله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأنه ذو حاجتين: حاجة لنفسه، وحاجة لعياله؛ ولأن الأنثى ذات حاجة واحدة فقط.  
قال ابن عباس – رضي الله عنه - : «لما نزلت آيات الفرائض التي فرض الله تعالى فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين كرهها الناس أو بعضهم، وقالوا : تعطى المرأة الربع والثمن، وتعطى البنت النصف،  ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم، ولا يحوز الغنيمة ؟ ! اسكتوا عن هذا الحديث لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينساه، أو نقول له فيغيره. فقال بعضهم : يا رسول الله ! أنعطي الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس، ولا تقاتل القوم، ونعطي الصبي الميراث وليس يغني شيئا ؟ ! وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، ولا يعطون الميراث إلا من قاتل، يعطونه الأكبر فالأكبر». (رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم)

المصدر : الدكتور حسين مختاري
» تابع القراءة

المشاركات الشائعة